الثلاثاء، أبريل 02، 2013

التكفيريون الجدد




التكفيريون الجدد

"أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه"
 صحيح مسلم 
يأتي في آخِرِ الزمانِ قومٌ ، حُدَثاءُ الأسنانِ ، سُفَهاءُ الأحلامِ ، يقولونَ مِن خيرِ قولِ البريةِ ، يمرُقونَ منَ الإسلامِ كما يمرُقُ السهمُ منَ الرميةِ ، لا يُجاوِزُ إيمانُهم حناجرَهم ، فأينَما لَقيتُموهم فاقتُلوهم ، فإنَّ قتلَهم أجرٌ لِمَن قتَلهم يومَ القيامةِ

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله ، أما بعد ....

فإن التحذير من الغلو فى التكفير هو مذهب أهل الحق ، و على هذا أستقر أهل الاسلام من أتباع الحق من محققيهم و علماؤهم عملا بما  حث  عليه الشارع فى فى هذا الامر .

فى الحديث " أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه" صحيح مسلم
 
قال ابن حجر: (قوله: باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال؛ كذا قيد مطلق الخبر بما إذا صدر ذلك بغير تأويل من قائله) 

قال أبو يحي الليبي : إطلاق الكفر على من ثبت له عقد الإسلام من غير حجة بينة أو تأويل معتبر؛ يعد خطراً عظيماً على قائله وإثماً جسيماً في حقه، وجرأة قبيحة في الدين، إذ هو من أشنع الأذية التي تلحق بالمؤمن، وقائلها محتمل للبهتان والوزر، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58].

و قال بن تيمه موضحا مذهب أهل الحق :
  " و فى باب  وعيد الله بين المرجئة و بين الوعيدية من القدرية و غيرهم "  العقيدة الواسطية
و قال " و فى باب أسماء الإيمان و الدين بين الحرورية و المعتزلة ، و بين المرجئة الجهمية" 

قال محمد بن عثيمين :
" فالحرورية و المعتزلة أخرجوه من الإيمان ، لكن الحرورية قالوا : إنه كافر يحل دمه و ماله" و قال " أما الخوارج ، فهم على العكس من الرافضه، حيث إنهم كفروا على بن أبى طالب ، و كفروا معاوية بن أبى سفيان، و كفروا كل من لم يكن على طريقتهم و استحلوا دماء المسلمين " شرح العقيدة الواسطية

و حكم التكفير ، حكم ثابت من دين الله بحق من أتى بمكفر ثابت بغير عذر معتبر لصاحبه 

يقول د. سيد إمام 
" ومن أظهر لنا الكفر أظهرنا له التكفير" الجامع فى طلب العلم الشريف 

و قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب :  
 " فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره وأسه ورأسه، شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم، وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين" الدرر السنية 
 2/119

و لهذا الحكم  ما يترتب عليه من عدم وجود عصمة الدم و المال و التى كانت قد ثبتت بحق الاسلام ، و هنا تأتى خطورة الغلو فى التكفير فى أحكام الدنيا ، و ذلك لاستباحة كل ما يخص من قد ارتد عن دين الله ، و قد بين الفقهاء هذا الأمر فى كتبهم تحت بيان باب  حكم المرتد .

يقول الطحاوى : "و لا نرى السيف على أحد من أمة محمد (صل الله عليه و سلم) إلا من وجب عليه السيف " 

قال حمود الشعيي : " و لا نرى السيف على أحد من أمة محمد ... ومعنى ذلك أننا لا تحل دم أحد من المسلمين إلا إذا أوجب الشرع و أباح دمه، كما قال علية الصلاة و السلام ( و لا يحل دم امريء مسلم يشهد ألا اله إلا الله و أنى رسول الله إلا بإحدى ثلات: الثيب الزانى، النفس بالنفس، و التارك لدينة المفارق للجماعة)  صحيح البخارى 6878هؤلاء نرى قتلهم و دمهم مباح كما قال ذلك علية الصلاة و السلام  " شرح العقيدة الطحاوية ص 173

فانتفت عصمة الدم ، بوقوع الردة و الكفر ، و كذلك ما تبع من عصمة المال 

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ) متفق عليه.
وبعد هذه المقدمة فى بيان خطورة الغلو من التكفير، و تحذير رسول الله من هذا الامر ، و النكير على من فعله، و تهاون فيه، فإن نبتة جديدة ظهرت فى المجتمع حملت هذا الامر و لكن على صورة جديد ، و لكنها فى الافساد واحدة  .
فإن الصورة القديمة لأهل الغلو فى التكفير هو التنسك، و التمسح بمظاهر الدين ، و التسرع فى إطلاق لفظ الكفر على المخالف اتباعا للهوى لا اتباعا للحق ، ثم استحلال الدماء، و الأموال، و الأعراض من هذا المنطلق؛  أنك سقط فى الكفر.
و لكن هذه النبتة الجديده انما تاتى الى حديث رسول الله " "أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه" صحيح مسلم، و الحديث صحيح و ثاب  عن رسول الله ، فتاتى و تشيع الامر فى كل من تكلم فى مسائل الكفر و الايمان ، بل و قبل أن تتكلم فى مناقشة هذا المخالف يأتيك بعبارت من مثيل " أنا لا أخاف من التكفير، كفى تكفيرا للناس ، أنتم تكفروا مخالفكم "  و أنت أصلا لم تنطق بشىء البته من هذا الامر
و لكن هو يرميك بإنك من أهل الغلو فى التكفير ، و أنك ممن يسارع فى هذا الامر ، لهوى فى نفسه متبع .
فإن هذا الامر و التشغيب به على الموحدين، يعمل على التنفير من دعوتهم إلى الحق الذى معهم عليه دليل و برهان ، و لما تواتر ذكر أفعال غلاة التكفير على مر التاريخ من قتلهم لأئمة المسلمين على بن أبى طالب و من معه و استباحتهم لدماء المسلمين و عدم تورعهم عنها .
فان قام باثبات هذا الامر فى حقك ادعاءا منه ، و كذبا على الموحدين ، يشرع فى استكمال سلسله التكفير ، فها هو اثبت فى الاولى انك تكفر الناس بغير حق ، و انك قد تبوأ بالاثم لفعلك، فماذا هو فاعل فى حقك !!!!

يأتى إلى ترديد أحاديث التحذير من الخوارج ، " ... فأينَما لَقيتُموهم فاقتُلوهم ، فإنَّ قتلَهم أجرٌ لِمَن قتَلهم يومَ القيامة " فها هو وجد بغيته فى ما سيفعله بك من التنكيل ، فأنت من الخوارج و انت من المفسدين فكل ما سيقع لك من التنكيل و السحل و الضرب و التعذيب لا حرج عليه فى هذا الامر .

لكن ما فقه هؤلاء التكفيريون الجدد ، أن رسول الله حد لهؤلاء صفات هى عين ما يرتكبوه ،و هى الافساد فى الارض و اتباع الهوى بغير حق و التعدى على حرمات المسلمين و أموالهم و أعراضهم.

فهى صفات و علامات ، متى ظهرت فى حق أحد فهو مستحق لهذه الصفة، فأهل التكفير الجدد هؤلاء إنما يتبعون تسلسلا فى التكفير و لكن من جهة عكسيه، فهو يدعى باللسان التحذير من التكفير و خطره على المجتمع ،و يقيم المؤتمرات لهذا الامر .

ثم يستخدم هذه الحجه فى الاطاحه بكل مخالف له، فمتى  ظهر له مخالف ، رماه بالتكفير مباشرة، و ان ما يفعله فى حقه انما هو حفاظا على المجتمع و على امنه و على سلامته ، و على هذا يجد الاعوان من علماء الضلالة أتباع المناصب أو متعصبى المذاهب البدعية، من أجل أن يصبغ إفسادة و تشريده لأهل التوحيد ، بصبغة شرعيه، حتى اذا ترحكت قلوب الناس لتنكر عليه هذا الفعل ، يخمد هذا الشعور بترديد إن معنا مؤيد لنا شيخ و عالم و مفتى.

و لكن من حكمة الله سبحانه و تعالى، للحفاظ على استمرايه عمل هذا الدين على الارض ، انه جعل لبعض الامور صفات و علامات يستدل بها اهل النظر ليحذروا منها ، و يعرفوا عدوهم

فكان اذاوصف المنافقين لم يسمهم باسمهم ، لياتى بعد ذلك من يقول ان المنافقين فتره فى تاريخ الاسلام و الله ذكر اسماؤهم و انتهى أمرهم
بل الله وصف المنافقين بصفات ، من تحققت فيه هذه الصفات وجب على اهل الاسلام الحذر منه و نزعه من مواضع قيادة المسلمين .و قد ذكرهم الله بصفات منها :
أنهم  يثبطوا عن الجهاد
 و لا يرجعوا الى حكم الله الا اذا علموا ان لهم الحق
و انهم يتبعون المتشابه و يتركون المحكم من ايات الله
و انهم يوالون الكفار
و انهم يبغضوا ان ان ينزل الخير على المسلمين

و كذلك وصف الله صفات لأهل الافساد من غلاة المكفره ، و صورهم للحذر منهم :
فمنها أنهم يتركون أهل الاوثان  و يقتلون أهل التوحيد
و منها أنهم صغار السن سفهاء الاحلام
و منها أنهم يسارعون فى الولوج فى دم المسلم
و منها أنهم يزعمون بالالسنه الورع و التقوى

و التكفيريون الجدد ما تركوا من هذه الامور شىء ، الا و كانوا مستحقين الوصف به، بل الأعجب من كل هذا أنهم هم هم أهل الأوثان أصلا ، فمناهجهم التى يدعوا لها هى الباطل بعينه ، و هى الأوثان بعينها و لكن فى صورة جديدة ، فبدلا من تأخذ صورة الحجر ، تحولت الى كتب و أقوال لمفكرين و فلاسفه .
فمناهج تدعو إلى تعبيد البشر إلى البشر، و إلى نبذ التحاكم إلى الله ، و إلى النزول على أهواء البشر و مطامعهم، لا النزول على أحكام الله و شريعته و دينه الذى أمر به الناس .
و ما كان الوثن إلا رمز يعبر عن  ما يحمله من فكره مفسد، و كان هذا الحجر هو رمزية فقط لهذا الفكر ، فكان أهل الأوثان يعتقدوا أنه ينفع و يضر، و أنه يقرب إلى الله، و أنه بيده الخير و الشر، و الضر و النفع .
و لو كان من خوارج الأمس قالوا فى زعمهم ، ان تكفيرهم لعلى لانه لم يحكم بما انزل الله زعموا فى قولهم
فان تكفيريين زماننا ، هم يدعوا ليل نهار فى كل منبر اعلامى و فى كل مكان الى عدم الحكم بما انزل الله ، و أن حكم الشريعة لا يلزم أحد ، بل بغيهم يصل إلى الاستهزاء بأحكام الشريعه ذاتها ، و عدم صلاحياتها .
ثم يزعمون بعد كل هذا أنهم مصلحين فى الارض غير مفسدين فيها ، زعموا و كذبوا فى ادعائهم بالسنتهم ، و ان محاربتهم لاولياء الله هو محاربه لمنهج الغلو .
فالله المستعان ، على ما يحيط بأهل التوحيد من البلاء و من رد كيد المفسدين فى الارض بغير الحق .

بقلم : محمد جاب الله





ليست هناك تعليقات: