الأربعاء، ديسمبر 19، 2007

الصارم المسلول على شاتم الرب أو الدين أو الرسول


مستفاد من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "الصارم المسلول على شاتم الرسول


اعلم - جَنَّبنا الله وإياك سبل الغي والضلال - أنّ جريمة سبّ الربّ أو الدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم جريمة عظيمة نكراء تشمئز منها قلوب الموحّدين الذين قدروا الله حق قدره.. ولقد رأيناها انتشرت في ظل دول الكفر هذه بسبب قوانينها التي تُعاقب من طعن في ملوكها وأُمرائها عقوبات بالغة وتتهاون بل تترك من يسب ملك الملوك وجبار السموات والأرض، وتطبيقات هذا موجودة واضحة في محاكمهم يعرفها قضاتهم، ومن أكبر الأدلة على ذلك أنّ سبّ ملوكهم لا تتولى المحاسبة عليه ابتداء جهة غير المخابرات أو أمن الدولة ونحوها، بخلاف جريمة سبّ الله العظيم ودينه القويم التي تفشَّت في دولهم وبين مخابراتهم وأمنهم وفي محاكمهم وبين قُضاتهم أنفسهم وقلَّما يُنفذ فيها عقوبة من عقوباتهم الهزيلة أصلاً

هذا مع أنّ ساب الله أو الدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم كافر مرتد تَبِينُ عنه زوجته إن كانت مسلمة ويحبط عمله كلّه إن مات على ذلك ولا يُدفن في مقابر المسلمين ومأواه جهنّم وبئس المصير؛ سواء قال ذلك مازحاً أو جاداً، سواء استحله وسواء فعله في حال الغضب أو الهدوء، ودمه وماله حلال سواء كان ممن ينتسب إلى الإسلام أو كان ذمياً أو معاهداً من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وسواء كان رجلاً أو امرأة، والأدلة على ذلك كثيرة استوعب أكثرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول

منها قوله تعالى: {إنّ الذين يُؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً

وساب الله أو دينه أو رسوله يدخل في هذا؛ والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري: (من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: نعم)، وكعب هذا كان معصوم الدم بالعهد، فلما صدر منه هجاء وسبّ للنبي صلى الله عليه وسلم وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قد آذى الله ورسوله، وبالتالي عامله معاملة المحارب فأباح دمه مع أنه كان معصوماً

وفي هذا أيضاً وعيد للنصارى ونحوهم من الكفار من أهل الملل الأخرى الذين قد يتجرؤن على سبّ ديننا أو ربنا أو رسولنا صلى الله عليه وسلم، لأنّ كعب بن الأشرف كان يهودياً معاهداً وقد قتله المسلمون اغتيالاً عندما سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى أن يُقتل النصراني الساب لله أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الدين وهو غير معاهد ولا ذمي ولا يعطي الجزية ولا يعرف الصغار

والله عز وجل في الآية السابقة قد لعن من فعل مثل هذا الفعل في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً

وهذا كما ذكر شيخ الإسلام في الصارم المسلول؛ لا يكون إلا للكفار، لأنّ اللعنة الطرد من رحمة الله ومن طرده الله من رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافراً دون شك

وكذلك توعّده (بالعذاب المهين) يدل على كفره لأنّ المؤمن العاصي قد يتوعده الله بالعذاب العظيم أو الأليم لكن (المهين) لم يرد في القرآن إلا في حق الكفار، وقد قال تعالى:{ومن يُهنِ اللهُ فما له من مكرم}، فهذا كلّه يدل على أنّ ساب الربّ أو الدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم كافر مرتد

2ومن ذلك قوله تعالى: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لاتشعرون

ففي هذه الآية أنّ الله تعالى خوّف المؤمنين من رفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم لأنّ ذلك قد يُؤدي إلى حبوط العمل الذي لا يكون إلا بناقض من ناقض الإسلام، قال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك}، بخلاف حبوط العمل في عبادة بعينها لنقص شرط أو نحوه، فإذا كان من رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم يُخشى عليه من الكفر المؤدي إلى حبوط العمل، فكيف بمن سبّ دينه أو من أرسله، لاشك أنّ فاعل هذا يحبط عمله ويكفر من باب أولى

 ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن: إنّما كنا نخوض ونلعب قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعفُ عن طائفة منكم نُعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين

فهذا نص قاطع بأن المستهزئ بالله أو بشيءٍ من دينه أو برسوله كافر مرتد بعد إيمانه، فسبّ الله أو الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في الدين من باب أولى، سواء كان جداَ أم عن هزل ولعب، إذ هذه الآيات نزلت في قومٍ كانوا قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد في غزوة تبوك فصدر منهم بعض الاستهزاء بصحابته القراء.. فلما نزلت فيهم هذه الآيات أخذوا يعتذرون من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: (إنما كنا نتحدث حديث الركب - أي المسافر - نقطع به الطريق) أي: إنما كنا نتمازح ونلعب لنقطع بذلك تعب السفر وطوله ولم نقصد بذلك أو نتعمد أو نعتقد الكفر، فلم يقل الله لهم: كذبتم بل تعمدتم أو اعتقدتم ولذلك كفرتم.. بل قال: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } أي: بفعلكم هذا ولو لم يكن عن اعتقاد أو تعمد الخروج من الدين

فكفّرهم سبحانه لما صدر منهم ذلك رغم أنهم كانوا يصلون ويصومون وقد خرجوا للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

فليحذر المسلم إن كان حريصاً على سلامة دينه من هذه المهالك وأصحابها

ولا يجوز أن يقول؛ أنا ولله الحمد لا أسب أو أطعن أو أستهزئ بشيءٍ من دين الله ثم يُجالس ويُؤاكل ويُقاعد ويُلاعب ويُمازح ويُرافق من يفعل ذلك ويبش في وجهه أو يكرمه.. بل الواجب أن يزجره وأن ينهاه ويُظهر الغضب في وجهه، وإن كان مجلساً فليُفارقه إن لم يقدر على إنكار ما فيه من طعن أو سبّ في دين الله وإلا كان شريك أهله بالكفر عياذاً بالله، قال تعالى: {وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنّم جميعاً

وتأمل كيف هدد الله المنافقين الذين يسمعون مسبته ومسبة دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم من الكفار ثم لا يُفارقونهم أو يُنكرون عليهم بل يُجالسوهم ويُؤاكلونهم ويُقاعدونهم، فالله يتوعدهم بأن يجمعهم كذلك في جهنّم جميعاً

فليحذر المسلم على دينه من هذه الجريمة النكراء وأهلها الذين يسبون ويُبارزون ويُحاربون خالقهم ورازقهم ليل نهار، مع أنّ نعمه عليهم ظاهرة وباطنة لا تُعدّ ولا تُحصى وخيراته تتنزل عليهم ليل نهار، بينما في المقابل يهتفون ويُغنّون ويُصفّقون ويُتابعون جلاديهم من كفرة الحكام المحاربين لدين الله المعطّلين لشريعته المحكّمين والمشرّعين للقوانين الوضعية الكافرة، والذين يسومونهم سوء العذاب ولا يأتيهم منهم إلا كلّ ذل وهوان وأكل للأموال ونهبٍ للخيرات.. فسحقاً سحقاً لمن بدّل وغيّر

إنّ الله أمرنا بتوحيده وتنزيهه وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له وأن نكفر ونبرأ من كلّ طاغوت ومعبود غيره، {فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} فحاربوه سبحانه وسبوه وسبوا دينه ووالوا أعداءه الطواغيت وعظموهم ونزّهوهم وسبّحوهم بكرةً وعشياً

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور